Feeds:
تدوينات
تعليقات

جزء من بحث قُدِم في مقرّر “الأدب والفنون” بإشراف د.جوزف طانيوس لبّس- الفصل السادس أدبي في إجازة اللّغة العربيّة وآدابها

الجامعة اللبنانيّة – الفرع الأول الأونيسكو

يُعتبر الخط العربي أحد أبرز مظاهر العبقريّة الفنيّة عند العرب، فهو الوسيلة التي حفظ بها العرب تراثهم العريق، وبه كُتِب القرآن الكريم، والحديث الشريف، والحكم والمواعظ، والأشعار. فتفنّن العرب بابتكار الصفات والألقاب للخط العربي، حيث وصفه الخطّاط ياقوت المستعصمي[1] بأنّه هندسة روحانيّة تمّت بآلة جسديّة. واعتبره البعض تذكارًا لرفاهيّة روحيّة عميقة نابعة من نفس صافية تواجه العصر المضطرب والشائك في كثير من جوانبه.

إنَّ فن الخط هو فن خصوصي، وإبداع متفرّد للعرب فهم لم يأخذوه عن غيرهم، بل وضعوه بأنفسهم، وصاغوا قواعده، وبلوروا طرزه الفنيّة[2]. ونشأ الخط، أساسًا، كفن في البلاط واستجاب إلى حاجات الدولة (الدواوين، نسخ القرآن، نسخ المؤلفات…) قبل مكابدات ومجاهدات المتصوّفة. فأضحى فنًّا مقدَّسًا، رسميًّا، تمازج فيه الدين بالدولة، والروحاني بالزمني، والفنيّ بالحرفي[3].

تعدّدت الخطوط ومن أشهرها الكوفي، والثلث، والنسخ، والفارسي، والديواني، والرقعة.

  • الخط الكوفي:

هو خط عربي قديم، ظهر ونشأ في الكوفة ومن هنا جاءت تسميته بالكوفي. هو أقدم الخطوط العربيّة وأعرقها على الإطلاق . نشأ هذا الخط واعْتُمد في عهد الخلفاء الراشدين لحاجة المسلمين لتدوين القرآن الكريم. هو خط يابس هندسي زخرفي يحتاج إلى دقة ودراية، اسْتُخدم في كتابة المصحف بشكل خاص وفي النقش على جدران المساجد والقصور وغيرها من خوالد فن العمارة الإسلاميّة. يقوم هذا الخط على إمالة في الألفات واللامات نحو اليمين قليلًا، وهو خط غير منقّط. للخط الكوفي أنواع عدّة تختلف بأساليب الزينة والزخرفة المتّبعة فيه، فمن إلحاق الزخارف التي تشبه أوراق الأشجار في الكوفي المورّق، إلى تزيين تلك الأوراق بالأزهار في الكوفي المزهّر أو المخمل، إلى ترابط حروفه مع بعضها في تداخل وتشابك في الكوفي المضفّر، إلى حد الاستعانة في رسمه للحروف بأجزاء من جسم الإنسان ورسوم بعض الحيوانات للدلالة على حروف معيّنة في الكوفي المشجّر[4].

الخط الكوفي 2

  • خط الثلث:

يُعتبر خط الثلث من أروع الخطوط منظرًا وجمالًا وأصعبها كتابةً وإتقانًا. هو الميزان الذي يوزن به إبداع الخطاط فهو لا يُعتبر فنانًا ما لم يُتقنه لأن إتقانه يُسهّل إتقان أنواع الخطوط الأخرى، ومن لا يُتقنه لا يُعدّ خطاطًّا مهما أجاد. يمتاز خط الثلث عن غيره بكثرة المرونة إذ تتعدّد أشكال معظم الحروف فيه، ويُطمس أحيانًا شكل الميم للتجميل. يُعتبر ابن مقلة[5] المتوفى سنة 328 ه، واضع قواعد هذا الخط من نقط ومقاييس وأبعاد، وجاء بعده ابن البواب علي بن هلال البغدادي[6] المتوفى سنة 413 ه، فأرسى قواعد هذا الخط وهذّبه ، وأجاد في تراكيبه، ولكنه لم يتدخل في القواعد التي ذكرها ابن مقلة من قبله. استعمل الخطّاطون خط الثلث في تزيين المساجد، والمحاريب[7]، والقباب، وبدايات المصاحف. واستعمله الأدباء والعلماء في خط عنواين الكتب وأسماء الصحف والمجلات، وبطاقات الأفراح والتعزية، وذلك لجماله واحتماله الحركات الكثيرة في التشكيل[8].

الحب من شيم الكرام-عثمان اوزاجي

  • خط النسخ (النسخي):

أول من وضع قواعده ابن مقلة أوائل القرن الرابع الهجري وأخذه عن خط الجليل والطومار[9] وهو أسهل من الثلث. ازدهر هذا الخط في عصر الأتابكة[10] (545 ه-1150م) وكان الخط المعتمد في كتابة المصاحف بعد أن توقف الخط الكوفي. هو من الخطوط العربية الجميلة ويجمع بين الرصانة والبساطة والوضوح، وكما يدلّ اسمه فقد كان يستخدمه النساخون في نسخ الكتب. طوّر المحدثون خط النسخ للمطابع والآلات الكاتبة والحاسوب، وسمّوه “الخط الصحفي” لكتابة الصحف اليوميّة به[11].

خط النسخ-اياك نعبد

  • الخط الفارسي:

ظهر الخط الفارسي في بلاد فارس كما يدلّ اسمه وذلك في القرن السابع الهجري. يمتاز هذا الخط بالسهولة والوضوح والرشاقة في حروفه فتبدو وكأنّها تنحدر في اتجاه واحد، وتزيد من جماله الخطوط الليّنة والمدوّرة فيه لأنّها أطوع في الرسم وأكثر مرونة لا سيما إذا رُسمت بدقة وأناقة وحسن توزيع. كما يتميّز هذا الخط بالزخرفة وربط الكلمات لتأليف إطار أو خطوط منحنية ومُلتفة. وَضَع أصول هذا الخط وأبعاده الخطاط البارع الشهير مير علي الهراوي التبريزي[12]. وتجدر الإشارة إلى أنّ الفرس قبل الإسلام كتبوا بالخط “البهلوي” ولكنّهم انقلبوا عليه وأهملوه مع قدوم الإسلام وعملوا على تطوير الخط الفارسي واختراع خطوط أخرى هي بمثابة امتدادٍ له، نذكر منها: خط الشكستة (الخط المكسور)، الخط الفارسي المتناظر، الخط الفارسي المختزل، خط التعليق، خط النستعليق[13].

الخط الفارسي-الحليم العليم

  • الخط الديواني:

عُرِفَ هذا الخط بصفة رسميّة بعد فتح السلطان العثماني محمد الفاتح للقسطنطينيّة عام 857 ه، ويُقال إنّ أوّل من وضع قواعده وحدّد موازينه الخطاط إبراهيم منيف[14]. كان هذا الخط حصرًا على ديوان السلطان ثمّ انتشر وتنوّع، وكان يُستعمل في كتابة الأوسمة والنياشين والتعيينات ولهذا سُمِّي بالديواني نسبةً إلى الدواوين الحكوميّة. تميّز هذا الخط بالتعقيد وازدحام كلماته وأسطره ازدحامًا لا يسمح بإضافة أي حرف أو كلمة إليها، وذلك منعًا من تغيير النص في الأوراق الرسميّة. يُعتبر الخط الديواني خط التمايل والتراقص والتناغم فهو أكثر الأنواع طواعية للتركيب بسبب المرونة الشديدة في حروفه، وشدّة استدارتها، وسهولة تطويرها. فمثلًا لحرف الألف مميزات كثيرة من حيث اتصاله باللام وتكوين شكل حلزوني جميل. تفرّع الخط الديواني إلى نوعين: الديواني العاديّ، وهو خالٍ من الزخرفة والديواني الجلي، وتكثر فيه العلامات الزخرفيّة لملء الفراغات بين الحروف[15].

الخط الديواني-ان الله وان اليه راجعون

  • خط الرقعة:

عند دراستنا لنشأة وانتشار هذا الخط، نَلْحظ وجود خط الرقعة الأوّل وخط الرقعة الحديث. خط الرقعة الأوّل هو خط عربي عملي اخْتُرِع ليُستخدم في الأغراض التحريريّة والإداريّة وليس لكتابة القرآن. فكانت تُكتب به الرقاع أي الأوراق والرسائل ومن هنا جاءت تسميته وهو يختلف عن خط الرقعة المعروف بهذا الاسم في القرون المتأخّرة. هو خط ظهر في بلاد المشرق الإسلامي، وهو شبيه بالخط الكوفي إلّا أنّه ليس متطوّرًا عنه. قام بتجويد هذا الخط ابن مُقلة الأندلسي في القرن الرابع الهجري، ثمّ جاء بعده ابن البوّاب فثبّت قواعده وأصوله.

أمّا خط الرقعة الحديث فقد نشأ من خلال خطي النسخ والثلث. يُعتقد أنّ أوّل من طوّره واستخدمه الخطاط التركي محمد عزت أفندي. ثمّ وضع قواعده ومقاييسه الخطاط التركي أبو بكر ممتاز بن مصطفى أفندي في عهد السلطان عبد المجيد (عام 1280ه) مسمّيًا إيّاه خط همايون. يتميّز خط الرقعة بالسرعة في كتابته، والقوة والجمال في حروفه، وانعدام الاهتمام بالتشكيل باستثناء الآيات القرآنيّة. بشكل عام يميل القلم إلى الأسفل عند التحرّك من اليمين إلى اليسار في كتابته، وتُكتب جميع الحروف فوق السطر ما عدا الهاء الوسطيّة والجيم والحاء والخاء والعين والغين المنفصلات وميم آخر الكلمة[16].

خط الرقعة-فكر كثيرًا

  • الحروفيّة

  • تعريفها:

يمكننا تعريف الحروفيّة بأنّها استلهام الحرف العربي في الفن الحديث أو في اللوحة التشكيليّة[17] فهي تُشير إلى أعمال فنيّة تعاملت مع اللغة العربيّة، كحروف أو كنصوص، مثل “معطى” (أو مادة) بصري للتشكيل. هي ظاهرة عربيّة (وإيرانيّة)، أطلقها غير فنان عربيّ (وإيرانيّ) متأثّرا بتجربة بول كلي[18] وأقرانه من “الحروفيين الغربيين” طلبًا لعمل فني ذي مراجع “محليّة” وهويّة “حضاريّة”[19]. بدأت هذه الحركة أواخر الأربعينات وغمرت الشرق الأوسط بأكمله منذ السبعينات. أمّا سبب ظهورها فيعود بشكل أساسي إلى نكبة فلسطين عام 1948 والهزائم العربيّة التي أنتجت ردّات فعل من قبل الفنانين الذين يبحثون عن الأصالة في الفن ومزج التراث بالحداثة.

تعرّف الباحثة سيلفيا نايف[20] الحروفيّة بأنّها محاولة لخلق حداثة تغرق في المحلّي ولكنّها تندمج في نهاية المطاف بالتيارات الثقافيّة العالميّة في تلك الحقبة[21].

بول كلي 1
لوحة لـ”بول كلي” تحت عنوان عندما خرجت من رمادية الليل Once Emerged from the Gray of the Night
  • الحروفيّة العربيّة: ردّة فعل

يصف شربل داغر، في كتابه الحروفيّة العربيّة: فن وهويّة، الحروفيّة بأنّها ردّة فعل على الفن الغربي المتمثّل بلوحات الطبيعة الصامتة وصور التماثيل الإغريقيّة. فقد لجأ الحروفي إلى استلهام الحرف العربي وسيلةً للعودة إلى الأصل والتراث. وهكذا تكوّنت الحروفيّة ضمن حركة عامّة، لم تعد تكتفي بمحاكاة الفن الجديد الذي تعلمته ولا بالنزعة الاقتدائية بالتجربة الغربيّة، بل باتت “تحوّر” هذا الفن، واجدةً له “منابت محليّة”. إنّها “تبيئة” الفن الغربي في البلاد العربيّة، والسعي لانتاج لوحة “خصوصيّة”[22].

والحروفيّون، جماعة مرتبطة بتقاليد الخط العربيّ العريقة، وفي التأويل الشعبيّ والصوفيّ الذي يتحدث عن تأثير الحرف في مصائر الناس وعواطفهم وأحاسيسهم وعقولهم، لما يحمل من أبعاد إيحائية بصريّة ومضمونيّة كبيرة[23].

  • الرائد الأوّل:

يميل داغر إلى الاعتقاد بأنّ الفنانة العراقيّة مديحة عمر هي الرائدة الأولى في مجال الحروفيّة[24]. فقد عمدت منذ سنة 1944 إلى البحث الحروفي وقد فصّلت ذلك في بيانها الفني تحت عنوان الخط العربيّ عنصر استلهام في الفن التجريدي. اطّلعت في لندن وباريس على الاتجاهات الفنيّة الحديثة وشاهدت المعارض والمتاحف. درست مديحة عمر الفن في أميركا، وشاركت في المعارض التي تُقام هناك حتّى إنّها أقامت معرضًا فرديًّا لنتاجها التجديدي في الحروف العربيّة في مكتبة بيبودي George Peabody Library في جورج تاون بواشنطن[25].

صورة مديحة عمر
مديحة عمر
  • جماعة “البعد الواحد”:

تعتبر هذه الجماعة تتويجًا لظاهرة الحروفيّة العربيّة حيث تقدّم مجموعة من الحروفيين العراقيين بتجاربهم الفنيّة الخاصة. رغم أنّ الجماعة عراقيّة، إلّا أنَّ تأثيراتها الفنيّة ستمتد إلى خارج العراق خاصةً وأنَّ فنانيها قد صاحبوا أعمالهم ببيانات وكتابات نظرية وفنيّة عمّقت البحث الحروفي. هذه الجماعة هي في الأساس معرض فني ووثائقي جرى في بغداد في 1971، بعد أن ظهرت الفكرة، لأول مرة، في 1969؛ وهي فكرة تنظيم معرض عن تـأثير الحرف في الفن التشكيلي. ساهم في إنضاج هذا المشروع: جميل حمودي، ضياء العزاوي، رافع الناصري، عبد الرحمن الكيلاني محمد غني، وشاكر حسن آل سعيد الذي قام أيضًا باعداد كتاب خاص بهذه المناسبة.

المقصود بـ”البعد الواحد” هو اتّخاذ الحرف الكتابي نقطة انطلاق للوصول إلى معنى الخط كقيمة شكلية حرف[26]. والرجوع إلى بُعد للخط كانتماء إسلاميّ عروبي مناقض للبعد الثلاثي[27] في اللوحة الغربيّة[28]. شكّلت هذه الجماعة، أول مدرسة حديثة، اهتمت بإدخال الحرف العربيّ في عالم الفن التشكيلي المعاصر ووتطويعه فأبدعت مجموعة من الأعمال الفنيّة عربيّة السمة، إسلاميّة اليد واللسان، شرقيّة الهوى والنكهة[29].

  • نماذج حروفيّة:

للحروفيّة العربيّة ميدان تشكيلي يقوم على مبدأين أساسين:

  • القطيعة التّامة مع طرز(نمط) الخط العربي، والتعامل مع الحروف العربيّة كمادة للتشكيل.

  • بناء لوحة حديثة، ولكن بصيغة محوَّرة، مطوَّعة للتعبير عن خصوصية ثقافيّة أو حضاريّة.

جميل حمودي
لوحة لجميل حمودي

والحروفيّة تتوزّع على أكثر من فئة[30]:

  • اللوحة – الحرف:

يدرس الفنان القابليات التشكيليّة في الحرف الواحد لغايات زخرفيّة، تصميميّة أو تحليليّة. فالحرف هو مادة العمل، هو نقطة الانطلاق ونقطة الوصول، النواة والبنية.

عبد الله الحريري
لوحة للفنان المغربي عبد الله الحريري
  • اللوحة – العبارة:

أجمع علماء اللغة والحروفيون على أن العلامة اللغوية مبنى – معنى. فانقطع الحروفي عن الخط كطراز في الكتابة، لا عن معنى العبارة، وعن العبارة الدينيّة السامية لا عن العبارة المعبّرة. فعاد الحروفيون إلى النصوص الأدبية العربيّة، القديمة أو الحديثة، كموضوعات ومجالات عمل لنتاجاتهم الفنيّة.

ايتيل عدنان
دفتر مقتطفات ملوّنة بريشة إتيل عدنان من كتاب عن أمل لا شفاء منه (١٩٨٧) لفواز طرابلسي
  • اللوحة – الكتابة:

من الفنانين من يتصل باللغة العربية لجهة شكلها الكتابي وايقاعها الغرافيكي فوق المساحة التصويريّة.  فينتج أعمالًا فنيّة من الأشكال الكتابيّة، ولكن دون أن تؤدي أي معنى، إنّها أعمال كتابات غير مقروءة أبدًا، مرئية وحسب، تصبح الريشة فيها بمثابة القلم، وفق حركة في الكتابة – التلوين، نظاميّة وحرّة في آنٍ معًا.

نجا المهداوي
لوحة للفنان التونسي نجا المهداوي
  • اللوحة – النص:

تقوم على استعمال الحرف الكتابي بوصفه مادة للتشكيل، ولكن بين جملة مواد أخرى؛ وتنطلق من صيغته الغرافيكية، ولكن دون أن تتقيّد بها، فتحوّرها تمامًا أو تجرّدها. تستدعي اللوحة مفردات مستعملة، وتعطيها معاني سياقيّة جديدة لها. فالحروفي هنا يستمد من الكتابة الشكل التصويري والبناء التشكيلي لصورة الحرف والكلمة.

ضياء العزاوي
ضياء العزاوي (فنان عراقي): لوحة من مجموعة المعلقات السبع
  • الخطّاطون التشكيليون:

يقوم الخطّاطون التشكيليون بالعودة إلى الآية القرآنية غالبًا، وإلى الأمثال والشعارات أحيانًا كمادة لأعمالهم الفنيّة. تُكتب العبارة كاملة، دون اجتزاء، بشكل يقرب إلى الجلاء والوضوح، وفق أحد الخطوط المعروفة، ولكن على قدر من التأليف والحريّة في التشكيل، أي التلاعب بالمدّات والاستدارات، وبالتداخلات بين الأحجام والكتل الحروفيّة، مع استعمال الألوان بصورة محدودة.

نذكر من الخطاطين التشكيلين: وجيه نحلة (في بداياته خاصة)، عثمان وقيع الله، أحمد شبرين، محمد سعيد الصكار، حسن المسعودي، عبد الغني العاني، سامي مكارم، عارف الريس وغيرهم. إنّهم خطاطون أكثر منهم رسّامون، يحاولون اكتشاف الطاقات التشكيلية في طراز الخط العربي[31].

كل من في الكون يرويه الهوى وانا اسقى واقضي عطشا-نظم وخط سامي مكارم
كل من في الكون يرويه الهوى وأنا اسقى وأقضي عطشا نظم وخط سامي مكارم

– بين الخطاط والحروفيّ:

يعتقد الفنان التشكيليّ الحروفيّ أنّه قد جمع في منجزه البصري طرفي المعادلة: التراث والمعاصرة. فلقد استلهم الخط في لوحة تحاكي الزمن الحاضر. أمّا الخطاط العربي الحديث فينفي ارتباط عمل الحروفيّ بالخط العربيّ لأنه لم يتّبع فيه القواعد المعروفة لهذا الخط، إنّما استفاد بشكل من الأشكال من الجماليات التشكيليّة للخط العربيّ، ووظّفها في منجزه البصري الحروفيّ. ويرى الخطاط أنّ ما يقوم به الحروفيّ هو زخرفات خارجة عن نظم وأصول وموازين الخط العربيّ، تغيّر شكل الحرف العربيّ ما يُفقده معناه وذاته وبنيته الشكليّة الصحيحة برأيه، هو تدخّلٌ مشينٌ بتخصّص الخطّاط وتقليدٌ لا تطوّرٌ للخط العربيّ، خاصة بوجود مقاييس ومعايير ونظم تحدد شكل وحجم الحرف، لا أحد يستطيع تجاوزها، وإلّا فقد الخط صفته. في المقابل ينظر الفنان الحروفيّ إلى الخطّاط على أنّه نسّاخ يُكرّر ما أنجزه الأقدمون، دون ابتكار أو إضافة، ما يجعله أقرب إلى الحرفيّ منه إلى الفنان[32].

خذي فرسي واذبحيها
خذي فرسي واذبحيها لوحة للفنان الاسكتلندي ايفرت باربي

 [1]الملقّب بـقِبْلَة الكُتّاب، خطّاط شهير وكاتب وأديب من أهل بغداد، رومي الأصل، من مماليك المستعصم بالله آخر خلفاء العباسيين.

من أشعاره: أروني مُرشدًا في الخط مثلي       ومَن أحيا الكتابة في البلادِ

            فلا في الشرق لي ضدٌ يضاهي     ولا في الغرب من يتّبع اجتهادي

صلاح الدين المنجد: ياقوت المستعصمي. لبنان، دار الكتاب الجديد، 1985 م، ص 35.

[2] شربل داغر: الحروفية العربيّة فن وهويّة. لبنان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، 1990م، ص112.

[3] م.ن. ص114-115.

[4] سعيد محمد هاني: تاريخ الحروف الأبجديّة واللغة العربيّة. لبنان، دار المحجة البيضاء، ط1، 2015م، ص244-246-247.

 [5]أبو علي محمد بن علي بن الحسين بن مقلة الشيرازي، خطاط إیراني، وكان من أشهر خطاطي العصر العباسي وأول من وضع أسس مكتوبة للخط العربي.

 [6]من أبرز خطاطي العربية. ولد في بغداد؛ وسمي ابن البواب لأن أباه كان يعمل بوابًا.

 [7]ج. محراب: نتوء في منتصف جدار المسجد المواجه للقبلة يدل على اتجاهها.

[8] م.ن.ص248-249.

[9] الطومار: الصحيفة أو الورقة الملفوفة والمشدودة والمحزّمة، خط الطومار هو أحد الخطوط العربيّة، وهو نوع كبير من خط النسخ.

[10] ج. أتابك وهي كلمة مركبة من لفظين تركيين ”أتا” أي الأب أو المربي، “بِك” أي الأمير، فيكون معنى الكلمة “مربي الأمير” ثم صارت مع الأيام تستعمل لدلالات أخرى بينها الملك والوزير الكبير والأمراء البارزون الذين يمتون بصلة القرابة إلى السلاجقة والأمراء الأقوياء.

[11] م.ن.ص250-251.

[12] هو خطاط وشاعر فارسي، عاش في تبريز في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، وهو مخترع خط النستعليق.

[13] م.ن. ص252-254.

[14] أحد أبرز الخطّاطين الأتراك، عاش في القرن الخامس عشر الميلادي.

[15] م.ن. ص256-258.

[16] م. ن. ص260-261.

[17] شربل داغر: الحروفيّة العربيّة فن وهويّة. لبنان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، 1990، ص19.

[18] رسّام ألماني (1879-1940) تتراوح أفكاره بين السرياليّة، التعبيريّة، والتجريديّة.

[19] م. ن. ص11-12.

[20] باحثة وأستاذة جامعيّة (1959)، متخصصة في اللغة العربيّة والدراسات الإسلاميّة.

[21] سوزان شكرون: علاقة الزخرفة والحروفيّة بالفنون التشكيليّة في الغرب والعالم العربي. مجلة العربي، الكويت، العدد 635، (تشرين الأول 2011م)، ص129.

[22] شربل داغر: الحروفيّة العربيّة فن وهويّة. لبنان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، 1990م، ص40.

[23] د.محمود شاهين: الحروفيّة والحروفيون بين القديم والجديد مجلة الكويت، الكويت، العدد 293، (آذار 2008م)، ص50.

[24] شربل داغر: الحروفيّة العربيّة فن وهويّة، لبنان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، 1990م، ص29.

[25] نهى فرّان: التراث والحداثة والفن التشكيلي في عيون لبنانيّة. لبنان، الدار العربيّة للعلوم ناشرون، ط1، 2013م، ص171- 172.

[26] شربل داغر: الحروفيّة العربيّة فن وهويّة. لبنان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، 1990م، ص41.

[27] الطول والعرض والارتفاع

[28] سوزان شكرون: علاقة الزخرفة والحروفيّة بالفنون التشكيليّة في الغرب والعالم العربي. مجلة العربي، الكويت، العدد 635، (تشرين الأول 2011م)، ص129.

[29] د.محمود شاهين: الحروفيّة والحروفيون بين القديم والجديد. مجلة الكويت، الكويت، العدد 290، (كانون الأول 2007م) ص51.

[30] شربل داغر: الحروفيّة العربيّة فن وهويّة. لبنان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، 1990م، ص61-63.

[31] م.ن. ص59-60.

[32] د.محمود شاهين: الحروفيّة في التشكيل المعاصر سجال وشكوك ومخاوف. مجلة الكويت، الكويت، العدد 293، (آذار 2008م) ص30-33.

 

 

Our Photo near Fountain

تصوير: عمّار نور الدين

 

كم من ليلةٍ افْتَرَشَتِ الأوراقُ جانبًا من سريري لعلّ بعضًا من الكلمات يحطُّ عليها…كلماتٌ أردت غزلها وحياكتها بكلِّ عنايةٍ واتقانٍ لأنثرها أمام عينيك، وأذريها حروفًا، وكلمات، وجملًا، وسطورًا فوق أهدابك. ولكن خانتني الكلمات، وما زالت تخونني…

أجدها ناقصة، لا توفيك حقّك، لا ترسم حبّي ونبضاتي نحوك بصدق…وكأنَّ ما أعيشه معك لا يُقاس بميزان الكلمات، وكأنَّ الواقع أجمل من الخيال الذي رسمته…فأنت الحبيب الأصدق بين الأحبّاء…

نعم، كنت أكتب عن الحبّ من قبلك…حبٌ خيالي جاف لا حياة فيه، كنت أُشَخّص الجماد من حولي وأجعل الحبّ يجري في عروقه لعلّي أُشْبِع حاجتي أنا للهوى…كنت أخلق شخصيات خياليّة على الورق، وأمنحها لحظات سعيدة وأخرى تعيسة، أخطُّ اللقاء، والوداع، والنأي عن النفس، والعناق، والبكاء، وغيرها من لحظات الحياة.

ثمّ ولجت أنتَ في حياتي، وقلبت نظام كلماتي حتى صَمَتَت، تبكّمت٭ أمام فيض المشاعر التي أعيشها معك. ارتدت ثوب المتفرّج الذي يُخزّن ما يراه في ذاكرته ليُطلق العنان لقلبه دون فكره. فأمسيت أعيش الحبّ لا أكتبه، أتلذّذ بالعشق ولا أحصره بزوايا الحروف، أعاني الشوق ولا أصرّح عنه للورق، أنصت لنبضات قلبينا ولا أحاول تفسير نغماتهما…

ولكنّ القلم استدرجني إلى أحضان الورق من جديد، أغراني ببياض أوراقي ونقائها، دعاني لأرقص معه على الشاطىء الأبيض، أبوح بما يختلج في داخلي، ألهو برمال الحروف ورذاذ الحبر.

دعاني واستجبت، فرقصت وبُحْتُ ولهوت أنا وهو، ولم أمحُ آثار خطواتي بل تركتها بكلّ فوضويّتها أمامك…تُرشدك إليَّ إذا تأخرت عودتي…تحملك إلى حضني المنحني أمام الورق لأعانقكما أنت والقلم في كلمة واحدة…في الحب…

 

٭تبكّمت: في العاميّة “تبلكمت”

 

أبحثُ عن فارسي

في داخلي شوقٌ لغزلِ الكلمات،

للرقصِ فوق السطور،

للبوحِ بأسراري للورق…

في داخلي حنينٌ لأيامِ وحدتي…

انطوائي مع قلمٍ وورقةٍ وكتاب…

تقوقُعي في المسافةِ الواقعةِ بين قلمي والورق…

في داخلي ما بقيَ،

بعد أن بعثرتني الحياة…

أذابتني في حلقتها المفرغة، ومضت…

♦ ♦ ♦

أبحث عن قلمي،

عن فارسٍ على صهوةِ أفكاري…

عن حاضنٍ لكلِّ أسراري…

أبحثُ عنه بين أشيائي…

أبحثُ عنه بين قديم كلماتي…

أبحثُ، وأبحثُ…

لأجدَهُ جافًّا، يابسًا، مستسلمًا

في حضن الورق…

♦ ♦ ♦

لم تداعبْهُ أصابعي منذ زمن،

لم ترتمِ أناملي على ثغرهِ الدقيق…

أجدُه مترنّحًا، حائرًا، عاجزًا

عن فهمِ عواطفي ونقلِها…

غارقًا في مللِ الورقِ الأبيض…

متثاقلًا، مكتئبًا، مكفهرًّا…

منحنيًا كمحاربٍ قديم

أرهقَه البعدُ عن ساحةِ المعركة…

أحتاجُ إليه…

أحتاج أن ينهضَ

ويكفكفَ عنه غبار الأيام…

أن يستحثَّ الخطى نحو قلبي…

أن يهرعَ إليه…

أن يهدمَ كلّ السواتر بيننا،

فمحبرة قلبي تفيض،

وأوراقي البيضاء تتلطّخ بقعًا تائهة…

♦ ♦ ♦

أيسامحني؟!

أيغفرُ لي انشغالي

وبعدي القسري عنه؟!

أينتشلُني من اختناقي،

ويمنحني نفسًا جديدًا؟!

أيروي عطشي لعناقِه، ويشاركُني السّمر؟!

أيعودُ إليَّ يراعًا، حالمًا، عاشقًا، مُتّقدًا؟!

أيعود؟!

نُشِر هذا النص أيضًا على مدوّنة Red Lips High Heels

Creative Commons License
مدوّنة نور زاهي by نور زاهي الحسنية is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.

عنوان على الأرض…

Plane

مصدر الصورة : http://dailym.ai/14GFkEn

جلست مع صخب صمتها…

جلست محدّقةً في ماضي الذكريات…

وبدأت ملامح ابتسامةٍ تظهر على وجهها…

ابتسامةٌ غريبة…

ابتسامة هازئة…

لم تسمح لمشاعرها بالاسترسال…

نهضت…نفضت عن وجهها غبار الذكريات…

وعادت إلى حاضرها مشرقةً، مضيئة…

*   *   *

امرأةٌ تعشق الحريّة…

حين أحبّت، أحبّت من يضاهيها في عشق الحرية…

رجلٌ لم تتّسع به الأرض…

أراد أن يحلّق بحريّة الطيور…

أن يستوطن السماء…

أثار انتباهها…وتسلّل خلسةً إلى قلبها…

تخيّلت أنّه سيعانقها بقوة تفوق تلك التي يمسك بها المقود…

ظنّت أنّها ستطير في سماء حبّه سعادةً…

أبصرته فارسًا على طائرة بيضاء…

رسمت أحلامًا وأمنيات…

*   *   *

ولكنّها اصطدمت بالواقع؛

أيقنت متأخرةً أنّه أرادها عنوانًا له على الأرض…

أرادها حضنًا ينسيه فراق السماء…

أراد يدًا يشدُّ على أناملها فيستشعر مقود طائرته بين يديه…

وهي أرادته بجانبها في كل الأوقات…

أرادت أن يستوطن قلبها لا السماء…

أن يشتاق لأناملها لا للمقود البارد…

أرادته أن يدور في فلك حبّها، ويهبط في مطار عينيها…

*   *   *

أعطته الكثير من الفرص،

واتّخذت قرارها أخيرًا…

لن تستقل تلك الرحلة معه…

لن تمنحه جواز المرور إلى حياتها…

ستحلّق بمفردها…

حتّى يأتي من يستحق مشاركتها التحليق…

مهما طال انتظارها…

‏05‏/01‏/2015

معرض بيروت الدولي للكتاب 58

فَرِغت الرفوف…صمتت القاعات…أقفل معرض بيروت الدوليّ للكتاب أبوابه في دورته الثامنة والخمسين وكان قد استمر من 28 تشرين الثاني إلي 11 كانون الأول. بالنسبة لي زيارة المعرض وشراء الكتب هو تقليدٌ سنوي أحرص على ممارسته. ولكن رغم عشقي للكتب وتمتّعي بالوقوف عند جناح كل دار والبحث بين صفحات الكتب عمّا يستهويني، لا يمكنني أن أغضّ الطرف عن بعض المشاهد التي استوقفتني.

بدايةً أعترف أنّه لا يحقّ لي أن أقيّم الاقبال على المعرض إن كان كثيفًا أم قليلًا خاصًة وأنّني بالطبع لم أتواجد علي مدار الأسبوعين لأراقب حركة الوافدين ولكن يسعني الإشارة إلى ما لاحظته في زيارتي، بدايةً إنَّ أجنحة الدور التي تنظم توقيعًا للكتب تحظى بتجمّعٍ كبيرٍ للناس يُخالف ما تحظى به أجنحة الدور الأخرى. مشهدٌ طبيعي فأصدقاء الكاتب وعائلته وقراؤه سيتواجدون لدعمه ونيل توقيعه. أمّا دار النشر فتنظّم ذلك بهدف التسويق، فالكتاب أضحى كسلعةٍ يعرضونها في المعرض ويحاولون جذب الناس إليها. هذا ما تلاحظه وأنت تتنقل بين الأجنحة: عروضات مخفضة، مندوبون من قبل دور النشر يحاولون اقناع الزوّار بابتياع كتبهم ومشاهد عديدة سأشارككم بعضها.

كنت أتطلع على كتب إحدى الدور فاذ بحديثٍ قائم بجانبي لا مجال لأذنيّ أن تهربا من سماعه. بطلاهُ شابٌ في أوائل العشرينات ومندوبة الدار، الشاب بدا محتارًا وهو يتفقد الرفوف، فانتهزت هي الفرصة وعرضت مساعدته إن كان يبحث عن كتابٍ معين. شرح لها أنّه اعتاد القراءة باللغة الانكليزية وحين يتعلق الأمر باختيار كتب باللغة العربية فهو يعجز عن اختيار الكتاب المناسب برأيه.                                                                                                                                                           بدأت مندوبة الدار تعرض له باختصار ما تحتويه بعض اصدارات الدار من الروايات لأنّ الشاب أبدى اهتمامًا بالروايات أكثر من غيرها من الكتب. أنهيت جولتي في جناح الدار لأجد الشاب ما زال هناك وقد انتهت الاستشارات. أخبر المندوبة بآنّه اقتنع بشراء إحدى الكتب، ليضيف كلمةً ضجّت في أذني بقوة “بجربو” (سأجرّبه) في اشارة إلى الكتاب وكأنّه بنطالٌ أو قميص يجرّب ارتداءه وان كان لا يناسب مقاسه يخلعه. سأحاول أن أكون ايجابية وأقول أن الشاب أراد القراءة باللغة العربية في حين أنَّ أكثرية الشباب في أيامنا هذه يفضلون القراءة باللغات الأجنبية ويتعجبون ممن يقرأ بالعربية وكأنّه من عصرٍ آخر.

kitab_ma3rad-e1417620454275
مصدر الصورة: موقع جنوبية

لننتقل من هذا الجناح إلى أجنحة أخرى، كتبٌ مكوّمةٌ في سلالٍ تشبه سلال الغسيل…كتبٌ بأسعارٍ زهيدة بخمسة  آلافٍ أو أقل يمكنك الحصول عليها. لا أقصد أن سعر الكتاب يحدد أهميته فقد تجد كتبًا رائعة بسعرٍ مقبول ولكن طريقة عرضها مكومةً أمر يستفزني كقارئة تعشق الكتاب. هذا الجناح الذي أبصرت به تلال الكتب ليس لدار نشرٍ بل لمكتبة في بيروت. أستغرب أن تشارك المكتبات في المعرض، صحيح أنَّ بعضها يملك كتبًا قديمة وثمينة قد لا تجد نسخًا منها في دور النشر ولكن البعض الآخر يحتوي على كتبٍ يمكنك ايجادها في أجنحة الدور. وبالتالي يُطرح السؤال ما المعيار الذي يلجأ إليه النادي الثقافي العربي المنظّم للمعرض في تأجير الزوايا للدور والمكتبات؟ أم أن المعيار المادي هو الذي يحكم؟!

وهكذا أكمل سيري بين أروقة المعرض، واذ بي أجد تجمّعًا كبيرًا للناس في إحدى الأجنحة، أحاول أن أسترق النظر إلى الكاتب الذي يوقع كتابه فلا أتمكن من ذلك ولكن ألاحظ طاولات تحتوي على أصنافٍ من الطعام والناس مجتمعة حولها وتأكل. هل قصد الناس ذلك الجناح للاحتفال بتوقيع كتابٍ ما مع صاحبه والحصول على نسخة موقّعة، أم شدّتهم رائحة المأكولات المعروضة؟! فهل يعقل أن يكون مفتاح القارىء معدته ؟! أنا لا أبالغ فما رأيته هو أطعمة متنوعة وليس صينيّة شوكولا تلتقط منها قطعة وتمضي حاملًا كتابك الموقّع. مشهدٌ عجيب ختمت به زيارتي وغادرت مثقلة بما كسبت من أصدقاء…أصدقاء من الورق والكلمات.

يمكننا القول أنّ زيارة المعرض تسمح لكَ بابتياع الكتب ومشاهدة الكثير من الغرائب والعجائب في مجتمعنا. تلك المشاهد إن دلّت على شيء فهو التراجع الذي نشهده على المستوى الثفافي فرغم أنّ الحدث أي معرض الكتاب مناسبة يُفترض أن تتّسم بطابعٍ ثقافي أوّلًا، إلّا أنّها تحمل صفةً تجارية تسويقية أيضًا. في الختام أتمنى أن تكونوا قد زرتم المعرض وعثرتم على ما تبحثون عنه كلٌّ حسب تطلعاته، أمّ أنا فسعيدة بأصدقائي.

في ذكرى ميلادك (2)

Happy Anniversay 2

نكون صغارًا، وتكون أحلامنا صغيرة. نفرح بلعبة، ببعض الحلوى، بنزهة أو رحلة مدرسيّة. تمضي الأيام، الشهور، فالسنوات…تتغيّر الأحلام، تكبر وتنضج. نصبو إلى النجاح باختلاف المجالات. نطمح إلى نيل العلم والمعرفة، إلى العمل في مجال تخصّصنا والتقدّم فيه، إلى تحقيق أحلامٍ أكبر بدراساتٍ عُليا أو إلى تأسيس عائلةٍ ناجحة.

بالنسبة لي، سعيدةٌ بما حقّقته حتّى الآن، وأطمح إلى المزيد. سعيدةٌ بالتجارب التي أعيشها كلّ يوم، بتلك التي تدفعني إلى الأمام أو التي تحاول ارجاعي إلى الخلف. سعيدةٌ بالصداقات الجديدة العميقة أو العابرة، سعيدةٌ بالضحكات وبالدموع.

أتذكّر ما كنت عليه قبل عام وما أصبحته اليوم، جميلةٌ السنوات ذات التغيّرات الجذريّة، التي تنهي خلالها مرحلة وتبدأ بأخرى، وتحافظ على ما حققته. تدور هذه الأفكار في ذهني وأنا أبدأ سنةً جديدة من عمري، سنةٌ جديدة أستطيع أن أرى بعض ما قد أنجزه خلالها ويُخفى عليّ البعض الآخر، فلست وحدي من يتحكّم بكل الظروف والمواقف.

أبدأ سنةً جديدة وتبلغ مدوّنتي الصغيرة عامها الثاني في الفضاء الالكتروني. تلك المساحة الخاصة التي أعتز بها وبما تحظى به من متابعة رغم أن وتيرة تدويناتي فيها انخفضت بحكم الانشغالات الكثيرة. سعيدةٌ بكل كلمة كتبتها فيها. بكل احساس رسمته كلماتٍ وصلت إلى من زار هذا الفضاء وقرأ، سعيدةٌ بكلّ فكرةٍ عالجتها بموضوعيّة أو بانحياز، بكلّ مشهدٍ حاولت تصويره…

سعيدةٌ بالتعليقات والملاحظات والصداقات التي كسبتها، وأطمح بالمزيد…

فكلّ عام ومساحتي الصغيرة أكبر وأكبر.

تكفي بضع زخاتٍ من المطر…

ولفحةُ بَرْدٍ…

وغيمتان…

يكفي أن يباغتنا السكون…

أن تلملم الشمس خيوطها…

وأن يُضيع الضباب تفاصيل الأشياء…

تكفيني طقوس الشتوة الأولى…

حتى أهرع إلى الورق…

أتسلل إليها بشوقٍ واحتياج…

وأمارس طقوسي الخاصة…

أطوّق القلم بأصابعي…

قلمٌ يختمر حبره بنبض قلبي والسماء…

خريفيّ الهوى كصاحبته…

مزاجيٌّ، سريع الانفعال…

أطوّقه وأناجي السطور…

أداعبها بزوايا الأحرف والكلمات…

 

 

 

حتى أبصره هو ما بين السطور…

جاثيًا أمام الكلمات…

ينثر فوق الورق ورقًا…

يوشّح بحمرته ما بقي من بياض المساحات…

ويقترب، يسرق أناملي من بين ثنايا القلم…

ويطوّقها بين يديه…

يحاصرها، فلا أقاوم…

بل أتسلل وكلّي اشتياق…

وأكمل كتابتي في راحتيهما…

أكتب دون حبرٍ…

أكتب بنبضات القلب…

وحين أصل إلى السطر الأخير،

وأهمُّ برسم النقطة في آخر جملتي والانسحاب…

يقاطعني، يسرق يدي مني…

ويرسم هو النقطة في آخر جملتي…

يرسمها بشفتيه…

يرسمها قبلةً…

قبلةٌ تنطق بآلاف الكلمات…

 

2014-09-01

Creative Commons License
مدوّنة نور زاهي by نور زاهي الحسنية is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.